أحمد الفاروقي السرهندي
112
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
( فإن قيل ) إنّ الصّوفيّة مع وجود قولهم بظهورات الأشياء يرونها معدومة خارجيّة ولا يقولون بموجود في الخارج غير الحقّ سبحانه والعلماء يقولون بوجود الأشياء في الخارج فثبت نزاع الفريقين في المعنى ( أجيب ) انّ الصّوفيّة وإن كانوا يرون العالم معدوما خارجيّا لكنّهم يثبتون له وجودا وهميّا في الخارج ويقولون بإراءة خارجيّة ولا ينكرون الكثرة الوهميّة الخارجيّة ومع ذلك يقولون : إنّ هذا الوجود الوهميّ الذي حصّل إراءة في الخارج ليس من الموجودات الوهميّة الّتي ترتفع بارتفاع الوهم وليس له قرار وثبات بل لمّا كان هذا الوجود الوهميّ وتلك الإراءة الخياليّة بصنع الحقّ سبحانه وانتقاش قدرته الكاملة كان محفوظا من الزّوال ومصونا من الخلل ومعاملة هذه النّشأة وتلك النّشأة مربوطة به والسّوفسطائيّة الذين يظنّون العالم أوهاما وخيالات ويزعمون ارتفاعه بارتفاع الوهم والخيال يقولون : إنّ وجود الأشياء تابع لاعتقادنا ليس له تحقّق في نفس الامر فإن اعتقدنا السّماء أرضا فأرض والأرض باعتقادنا سماء وإذا تخيّلنا الحلو مرّا فمرّ والمرّ باعتقادنا حلو وبالجملة انّ هؤلاء المجانين ينكرون إيجاد الصّانع المختار جلّ سلطانه ولا يسندون الأشياء إليه تعالى ضلّوا فأضلّوا فالصّوفيّة يثبتون للأشياء في الخارج وجودا وهميّا له ثبات واستقرار لا يرتفع بارتفاع الوهم ويجعلون معاملة هذه النّشأة وتلك النّشأة الّتي هي مخلّدة ومؤبّدة مربوطة بذلك الوجود والعلماء يعتقدون الأشياء موجودة في الخارج ويعتقدون ترتّب الاحكام الخارجيّة الابديّة على الأشياء ومع ذلك يتصوّرون وجود الأشياء في جنب وجود الحقّ جلّ وعلا ضعيفا ونحيفا ويعتقدون وجود الممكن بالنّسبة إلى وجود الواجب تعالى وتقدّس هالكا فثبت للأشياء وجود في الخارج عند الفريقين وكانت أحكام هذه النّشأة وتلك النّشأة مربوطة به وإنّه غير مرتفع بارتفاع الوهم والخيال فارتفع النّزاع وزال الخلاف غاية ما في الباب أنّ الصّوفيّة يقولون لذلك الوجود وهميّا بواسطة أنّ وجود الأشياء يصير مختفيا عن نظرهم وقت العروج ولا يبقى في نظرهم غير وجود الحقّ جلّ شأنه والعلماء يتحاشون عن إطلاق لفظ الوهم على ذلك الوجود ولا يقولون وجودا وهميّا ؛ لئلّا يحكم قاصر النّظر بارتفاعه فينكر الثواب والعذاب الابديّين ( فإن قيل ) إنّ مقصود الصّوفيّة من إثبات الوجود الوهميّ للأشياء هو أنّ هذا الوجود مع وجود الثبات والاستقرار ليس هو في نفس الامر وفي غير الوهم ولا نصيب له عن الإراءة والعلماء يقولون بوجود الأشياء في الخارج ونفس الامر فالنّزاع باق ( أجيب ) انّ الوجود الوهميّ والإراءة الخياليّة لمّا لم يرتفع بارتفاع الوهم والخيال كان في نفس الامر فإنّا لو فرضنا زوال وهم جميع الواهمين يكون هذا الوجود ثابتا لا يزول بزوال الأوهام ولا معنى للواقع ونفس الامر إلّا هذا ولكن فرّق بين نفس الامر الذي يثبت في وجود الممكن وبين نفس الامر الذي هو ثابت في وجود الواجب تعالى فإنّ الاوّل له حكم اللّاشيء في جنب الثاني حتّى يكاد يعدّ من الموهومات والمتخيّلات مثل أجزاء الكلّيّ المشكّك حيث أنّ بينها تفاوتا فاحشا كما أنّ وجود الممكن له حكم اللّاشيء بالنّسبة إلى وجود الواجب بحيث يكاد يعدّ من العدمات فلا نزاع في الحقيقة فإن قيل إذا كان وجود جميع الأشياء في نفس الامر